مؤلف وكتاب

حفريات وجوه القلعة (إعادة الاعتبار للقصة القصيرة)

 

في الوقت الذي تكاد الرواية تحتل مساحة المطبوع والمقروء، على مستوى الإنتاج الثقافي والأدبي، تظهر بين حين وآخر نصوص فنية من أنواع أدبية أخرى، فتخطف الضوء من الرواية، وتعلن أنها ما تزال موجودة بقوة، وقادرة على تمثّل التجربة الإنسانية في بعديها الجمالي والثقافي، ولعل خير مثال على ذلك مجموعة (وجوه القلعة).

يفاجئنا لؤي علي خليل بمجموعته القصصية التي وسمها بـ (وجوه القلعة)؛ وجعل لها عنوانًا فرعيًّا (حفريات قصصية)؛ ليجعلنا نفكر قبل الولوج في عالمه القصصي عن معنى (الحفر) في القص. وعندما نشرع في القراءة ويأخذنا النص الأول نحو عوالمه ندرك أن النصوص لا تكتفي بالظاهر من الأشياء، وبما هو معلن تحت ضوء الشمس، لا تكتفي بوجهة نظر واحدة ثابتة للدوالّ، بل تقدم وجهات نظر متباينة ومتعددة للشيء نفسه، فتثريه وتفجر المعاني داخله، فلا نبقى أسيري الرأي الواحد، ووهم الحقيقة البشرية المطلقة، ولا نعود أسيري الأنساق الثقافية المهيمنة، فلكل شيء في النصوص زوايا عدة، كلها احتمالات دلالية قائمة، كلها تأويلات يسمح بها الدال، ويجب ألا تضيق بها النفس البشرية.

ففي النص الأول نرى للقلعة سبعة وجوه،  يعبر كل منها عن وجهة نظر مستقلة عن الأخرى، ومرتبطة بها في آن معًا: (فوق/تحت/يمين/يسار/أمام/خلف/عمق)، وذلك في نص (وجوه القلعة) فاتحة الكتاب وجوهرته، وفي نص (مرائي الكعبة) يتكرر الحال نفسه فتظهر اشتباكات سردية بين نصوص تراثية صوفية لابن عربي ونصوص أخرى حديثة؛ لتقدم حفرًا ثقافيًّا في معنى الكعبة، وفي نص (جنة عدن) تنهض الاختلافات الثقافية لتشكل نسيجًا متنوعًا حول جغرافية مكانية متوهمة خيالية تدعى جنة عدن، وفي نص (يحدث في الشرق) تتصادم وجهات النظر حول منزل عجيب تحولت أشكاله الحادة المستقيمة إلى دوائر محدودبة، فيشتبك العلمي مع الروحاني والنفسي في محاولة تفسير تأويلية لما جرى، وفي قصة (حبات العنب) يظهر سرد طفولي يعيد إلينا البراءة الأولى ونحن نتعجب من سلوك الكبار، فيلتقي الطفل مع الرجل، في مشاهد سردية أخاذة وموجعة. ويستمر الأمر كذلك في نصوص أخرى مثل (زيارة إلى بيت جدي)، و(المدينة التي أغلقت بابها).

أما على صعيد السرد الفني، فالمجموعة احتفالية تقنية تجريبية، بعيدة عن كل ما هو تقليدي في السرد القصصي؛ تبدأ بتفتيت مركزية الحدث في نصوص مثل (وجوه القلعة) و(جنة عدن) و(مرائي الكعبة)، فيبدو التفتيت السردي منسجمًا مع كسر مركزية المدلول في نصوص المجموعة، ويمكن أن نلاحظ أيضًا حضورًا قويًا للعجائبي، في أجواء تذكر بعوالم (ماركيز) و(إيتالو كالفينو) و(نيقولاي غوغول)، في نصوص مثل (عامود الجامع) (الحائط)، (المدينة التي أغلقت بابها)، (امرأة من هناك). وفي مسار آخر واضح في النصوص نلاحظ اشتباكًا سرديًا لنويات مشهدية قصصية (جمع نواة)، تسير متوازية لتشترك في النهاية في سرد قصصي كلي كلوحة الفسيفساء.

مجموعة (وجوه القلعة) سرد قصصي أخاذ، يعيد إحياء العهد الذهبي للقصة القصيرة، ويعلن نفسه منافسًا سرديًا قويًا أمام طغيان السرد الروائي.