مؤلف وكتاب

عن كتاب “الحصار”

 

كنت طفلًا عندما توفيت أمي ـ رحمها الله ـ فأكل القمل رأسي، ونهش الجرب جسدي، فأخذت نسوة من الجيران تدعك رأسي بالكيروسين “زيت الكاز” لتقتل القمل والصّئبان، وتسلخ جلدي “بالشنان” و”ترابة البيلوني” لتزيل الجرب؛ كنت خجلًا من نفسي على الرغم من صغر سني، واعتبرت ذلك عيبًا.

بلغت سنّ الشّباب، وأدمنت القراءة وبخاصة قراءة القصص والروايات والكتب الفكرية والسياسية، وعندها أدركت أن القمل والجرب الخارجي ليسا عيبًا، وإنّما العيب في القمل والجرب الداخلي.

في العقد السابع عرفت أن النظافة ليست نظافة الخارج وحسب، بل نظافة الداخل، فمن يبدل “الغاز” بالتنور، ويسكن في فيلات حديثة “بياضاتها” ورخامها كلها مستوردة من إيطاليا، تغيّر من الخارج، ولم يتغيّر من الدّاخل، إنه استبدل البنطال بالسراويل، ولكنّه لم يخلع سراويله الداخلي.

واجهت في الحصار بغال البيادر ورجالَ الفلين، سدادات القوارير؛ فالرجل الفليني يصلح لكل زمانٍ ومكان، ما دام هناك ثقوب وبعوج في جسد المجتمع، يتنقل بين قوارير الخل والعطر والسمِّ، جاهزٌ دائمًا وتحت الطلب لأي عملٍ طالما يعود عليه بالنفع والوجاهة.

يطرح الرأي مساءً، ويتبنى نقيضه صباحًا، سريع الخطو من صف العهر إلى طهرانية الثورة، وجذوره تشدُّه إلى قاع الثورة المضادة، يتصدر صفوف الثورة بلا كفاية ولا تأهيل، ولا تحكم تصرفاته قيمٌ ولا يحتكم لأخلاق، ويبخس الناس أشياءهم، ليغطي أصله الفليني.

إن الرجل الفليني سُدادةُ ثقب لا عود ثقابٍ يشعل شمعةً تنير حلكة الظلام للآخرين، ربما لا يدرك أنه بعوضةٌ تزحف على بطنها بلا أجنحة.

“الحصار” مجموعة قصصية قصيرة، كتبْتُها في الحصار الجائر والظالم لحمص/الوعر طوال ما يزيد على خمسة أعوام، هي حياة عشتها، كانت كابوسًا لا نهاية له تحت وابل صنوف القذائف من طلقة القناص إلى قذيفة الهاون.

قصص “الحصار” تختلف عما جاء في مجموعاتي القصصية التي سبقتها “العيد، المنديل الأسود، شجرة الأكاسيا، الجدار، البائعة المتجولة”، تلك كُتبت بلا حصار وبلا قذائف، وأخذت موافقة وزارة الإعلام واتحاد الكتّاب العرب، في الحصار أكلنا ما لا يؤكل، وكان الموت يطاردنا، فانتظرناه بلا اكتراث، وأخذْتُ موافقة كتابتها ونشرها من الشارع الذي عاد صاحبه إليه، ومن حجم المأساة.

ليس “الحصار” من وحي الذاكرة والأحلام التي تنتظر النور، قصص الحصار رصدٌتْ ما قامت به حواسي وفؤادي وعقلي وذاكرتي، وقراءة مقارنة بين عالم الحداثة وعالم ما يجري في بلدي.

لقد عانت تلك القصص، وعاشت ما يجري حولي، فالحصار طال مناحي الحياة كلها، حتى إن الموت لاحق أبطالها من الجدجد والفأر والقميص والقط إلى البرميل والبصلة والذبابة الزرقاء التي آنست سجين المنفردة. “حدّثها بحنان، ناجاها بتودّد عاشق، بثّها أشواقه إلى الأهل ولرفاق معه في المنفردات، سألها: إن شاء الله جميعهم بخير؟ أنشدها أزائرتي في غيهب الغسق، أما خشيت من الحراس في الطرق؟ فجأةً فتح السّجّان الكوّة: مع من تتكلم يا ابن…”.

هذه الكوكبة من الأبطال؛ أشياء وحيوانات وبشر وشجر، اشتركت في تسطير ملاحم الصمود والصبر والبطولة في الحصار.

تسللت قصصٌ قصيرة جدًا إلى مجموعة الحصار، ودخلت لحمتها وسداها في نسيجها، فوقف عتالٌ حمصي فوق ظهر حماره، ليشاهد موكبًا رسميًّا، وعندما وصل الموكب شخَّ الحمار … خبّأتْ هذه القصّة سخريّتها وسؤالها: لمن يصفّق الآخرون بحرارة؟

حاصر الحصار المدنيين في حمص/الوعر، وفي سورية بيتنا المشترك، الوطن الذي شيد جنين دولته رجال الاستقلال، وكتبوا دستوره الأهم في عام 1950، وحاول الاستبداد وأد هذا الجنين، وكان الوطن من البحر إلى الحدود.

قاومنا الحصار بتكوينات تعبيرات المجتمع المدني أسه وأساسه /الدولة المدنية/، لكن الحصار فرخ التّهجير القسريّ، وكان شريكًا لقذائف لا ترحم، وأغلقت المدارس، ودُمّرت المستشفيات، وكادت الكلاب والقطط والعصافير تصرخ خوفًا وجوعًا وقهرًا.

لم يجد الأب في قصة “القميص” في العاصفة الثلجية إلا قميص ابنه المهاجر ليتدفأ به، فمنعته رائحة الابن المعششة فيه، ورقص القميص أمام المدفأة، وزاره طيف ابنه:

–       سأل الأب كيف تضيع أوطان رائحة شعوبها؟ في أي بلد تقيم يا ولدي؟

–       نحمل جوازات السفر بأيدينا وحقائبنا فوق ظهورنا.. تعرّفت علينا محطات القطارات والمطارات والمقابر وشواطئ البحار.. لقد أدمنّا يا بابا الغربة، ونقاوم الحنين الذي يشدّنا إلى بيوتنا.

لم تعد العصافير تجد مخبأ تلجأ إليه، وكم لجمتُ دموعًا وأنا أكتب معاناة أبطال مجموعة الحصار ومأساتهم، فهم إخوتي وأهلي وناسي وجيراني من الجدجد إلى الأب فرانس وشيخ برق، وعندما رثيت الأب فرانس خاطبته:

–       لماذا أيها الأب الجليل اخترت البقاء في حمص المحاصرة والأشباح والشبيحة سكنتها بعد أبنائها الطيبين؟

–       يا الله أي يد آثمة امتدت إلى كاهن يكاد يودع العقد الثامن، فاغتالته وهو في ديره يتعبد الرب؟

–       أيها الأبّ تعلّمنا منك كيف تكون التّضحية والفداء وحبّ السّلام.

منذ طفولتي في حمص/باب السباع سكنتني كلمات شيخ برق في الكتَّاب، عندما “يختم” أحدنا القرآن، ويتقن الحساب على يديه، كان يربت على كتفه قائلًا:

–       أصبحت يا ولدي رجلًا، ودخلت في عِداد رأسمال سورية.

في الحصار بدأ يظهر لي شيخ برق بلحمه وعظمه وبلحيته البيضاء وبعينين تقدحان نارًا صارخًا، كما كان يفعل عندما يخطئ أحدنا في القراءة أو في الحساب، ثم يجلس باكيًا منتحبًا:

–       يا أبناء الزناة، من أضاع أغلى رأسمال سورية.

هذان النّصان رثاء الأب فرانس وشيخ برق حرتُ إلى أين أضمّهما: إلى “الحصار” أم إلى “الرّبيع العربيّ في سورية”، على الرّغم من أنّ القصّة القصيرة لم تبلغ سنّ الرّشد بوصفها جنسًا أدبيًّا، ولم تُعرَّفْ بعد.

قصص الحصار ذات سرد أدبي بينما الرّبيع العربيّ لغة مغموسة بالسّياسة وبالدّمّ لشعب عاد إلى ساحات المدن، لكن العالم ودوله الكبرى تصارعا فوق ترابه على مصالحها، وانتهكت سيادته الوطنيّة.

أشفقت على البرميل الغبيّ الذي حاول الابتعاد عن روضة الأطفال، فوجد غباءه يمنعه من هذا الخيار، وأشفق على العاشقين في ظلال ياسمينة قرب تمثال أبي فراس الحمدانيّ، تشقشق العصافير حولهما، سقط فوق سيف الدّولة، فدمّر مبنى من طوابق عدة فوق رؤوس ساكنيه، وقتل طفلًا رضيعًا في حضن أمه.

كتبتُ على غلاف المجموعة:

أنا يا سيّدتي أحبّ الحياة، وهي جميلةٌ وجديرة أن تعاش، وعلينا أن نجعلها أكثر جمالًا وسعادة، أنا لا أنكر حبّي للمرأة والوطن، ولا أخفي عشقي للجمال والحرّيّةّ، وأغمس يديَّ في كل الألوان لأصنع منها لوحةً بديعة.

في قصة “ذات النقاب” “جثا على ركبتيه، احتضن فخذيها بيديه، تمنّى أن يعود إلى رحم أمه الّتي ذهبت بقذيفة هاون، أحسّت بما يدور في خاطره، فشدّتْ رأسه بيديها وألصقته ببطنها، وتذكرًت زوجًا خُطف منذ عامٍ على حاجز باب الحارة، ولم يعد، فأمطرت دموعًا حارةٌ على طفلٍ اغتيل بطلقة قناص”.

مَكَرْتُ في سرد قصص “الحصار”، وحمَّلتُ قطارها سخريةً لبلدٍ تاريخه يتحدّث عن مشاركته في بناء الحضارة منذ آلاف السنين، كيف يُدمّر بيد أبنائه؟ لمً عجزت الشرعية الدّولية أن توقف المجازر؟ فهل صُلب الضّمير العالميّ كالسّوريين على أبواب دمشق؟ لذا استبدلتُ بـ “شخَّ الحمار” “بال الحمار”.

هزَّت المبنى مع تطاير زجاج النوافذ وأثاث الغرفة قذيفة هاون، نعم، إنه “الهاون”، لكنه ليس الهاون النحاسي الذي كانت جدتي تطحن في جوفه القضامة مع السكر.

حاولت وأنا أسرد قصص “الحصار” حمايتها من تغوّل كتابٍ أوثّق فيه ما يجري في سورية “الرّبيع العربيّ في سورية” 400 ص، لكنّني خسرت المعركة، ولم أعدل بين قصص ذات سرد أدبي وأوراق الرّبيع لشعب سورية الذي وقف العالم بوجهه، ووقف الشّعب ذاته أمام ربيعه، فاخترقه الإرهاب والغرباء، في الحصار والرّبيع اختلطت الرّؤية بين مطلب الحرّيّة والكرامة وقصص وثّقت هي الأخرى ما يدور في وطني.

عادت بي الذاكرة إلى ” ستي أم جورج: كل طفل في العالم له جدّتان إلا أبناء حي باب السباع كانت لهم جدّة ثالثة، وهي ستّي القابلة أمّ جورج، وكنا نظن أنّها الجدّة الأولى.

كتبت وصيّتي:

أنا المواطن أحد أبناء الشّعب السّوريّ العظيم باني الحضارات:

–       لا تعبروا يا إخوتي بجثماني عند وفاتي من الحاجز الحديديّ على المعبر الوحيد الذي أقيم بين أهلي في حي الوعر وبين عشيقتي حمص، فقد رفضت طيلة حياتي، وقاومت كلّ الحواجز والسّكاكين والمقصّات وجوازات السّفر.

–       مزّقوا يا أحبّتي الرّقم “1209 ” الذي أدخل وأخرج بموجبه من الحاجز، وهذا يذكّرني بالرّقم الّذي يُعطى للمعتقلين في السجون والأقبية.

–       اكتبوا على شاهدة قبري: الإنسان الّذي حاول الانتقال من حالة الدّودة إلى حالة الدّيك.

لم يهزم الحصار تمرّدي، وتكسّرت القذائف على القذائف، فطافت روحي قلقة في سماء الوطن، لم أغادر عشيقتي حمص العديّة والصّديقة حياة في المحنة والمأساة وبين الركام، فوثّقت الحصار بقصص أبطاله.

حمص 15/12/2017