مؤلف وكتاب

عن رواية المطخ

 

المطخ رواية عن الذاكرة وإعادة إنتاجها فنيًا ومعرفيًا، ودور الصورة والكلمة في إعادة إنتاج المعرفة.

وهي لذلك مبنية على ذاكرتين لصديقين من قرية واحدة صغيرة وفقيرة جنوبي سورية، ولدا في “مطلع الخمسينيات”، وترعرعا في زمن الانقلابات العسكرية، وحزب البعث وسورية الأسد. عاشا في بيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية واحدة. وأصبح كلاهما يساريًا، معاديًا للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية. لكن أحدهما كان فلاحًا فقيرًا يتيمًا، صار شيوعيًا، والآخر ابن عائلة إقطاعية متنفذة، صار بعثيًا. وشاءت الأحوال أن يدرسا في السبعينيات في بلد واحد هو الاتحاد السوفياتي، ويتزوجا هناك من أجنبيتين.

أحدهما “أكرم الثور“، درس الفن التشكيلي واعتقل عندما عاد إلى دمشق، بسبب معارضته النظام، وتحول بعد الإفراج عنه إلى كاتب مغمور، فنشر أول رواية له بعنوان “المطخ“. والآخر “أمير الشامخ” درس الإخراج السينمائي، وأصر على نيل درجة الدكتوراه في الإخراج، واستفاد من النظام، وعرف من أين تؤكل الكتف، فتحول إلى مخرج مسلسلات درامية مشهور، وصاحب شركة إنتاج لا أحد يعرف من هو ممولها الحقيقي.

يلتقي الاثنان من جديد، عندما يقرر المخرج أمير تحويل رواية أكرم إلى مسلسل درامي تلفزيوني. ويشترط أن يفعل برواية صديق طفولته ما يشاء، معتبرًا أن مهمة الكاتب قد انتهت، وأنه لا يحق له التدخل في عمل المخرج. ويوافق الكاتب على مضض، بسبب حاجته المادية، فيكتب المخرج السيناريو من وجهة نظره، ويغير العنوان ليصبح “أزهار وجذور“، ويحذف أحداثًا، ويضيف شخصيات، ويبدل كما يحلو له، ويصور العمل من دون استشارة الكاتب، محولًا الرواية إلى مسلسل تاريخي بدوي، وقصة ثأر قديم بين الدخيلة “نارا” ابنة عامر، وآل الشامخ الذين قتلوا والدها، ويعتمد على ذاكرة انتقائية، تطمس ذاكرة الرواية، وتنظر إليها من زاوية مختلفة ولأهداف متباينة.

ويبدو واضحًا، منذ البداية، انتماء الكاتب للمعارضة وانتماء المخرج للنظام. لكن الرواية لا تعالج هذا الاختلاف الفكري، بل ما ينتج عنه من اختلاف في زاوية النظر وإعادة إنتاج الذاكرة فنيًا. فذاكرة أكرم التي تقارن بين زمنين من الظلم؛ ظلم الإقطاع وظلم نظام البعث الذي “ثار” على الإقطاع، ذاكرة صادقة وحميمة، لكنها لا تمتلك من وسيلة غير الرواية لتعبر عن ذاتها، بينما يمتلك أمير الوسائل والوسائط كلها التي تساعده على تزوير التاريخ، لا الحقيقة فحسب، وبخاصة الثورة الوطنية العظمى ضد المستعمر الفرنسي، التي حاول أمير تجييرها لآل الشامخ، وكذلك ثورة الفلاحين ضد آل الشامخ التي قامت قبل أكثر من قرن بسبب الظلم وقطع المياه عنهم، وعالجها المخرج بوصفها حركة همجية وثأرًا بدويًا! وغيرها كثير من الذكريات التي يعتز به أهالي قرية تل الرماد.

تركز الرواية على شخصية “المير” شامخ الشامخ، ولي العهد، الوريث والنمط لطغاة الشرق، والجد القريب للطغاة العرب المعاصرين الذين يفعلون ما يشاؤون من دون أي رادع أو رقيب سياسي أو اجتماعي أو أخلاقي. وتركز الرواية على نماذج متنوعة للمرأة العاشقة والمغتصبة والثائرة والمتمردة مثل غزالة ونور وألماسة ونارا وحتى العمة نسيبة.

وتكون التظاهرات ضد نظام البعث قد قامت، وتحولت دمشق إلى ساحة معركة حقيقية بين الجيش والشعب، عندما يتم استدعاء الكاتب لمشاهدة بضع حلقات من المسلسل، قبل تنازله عن نصه الروائي. ويوافق الكاتب مرغمًا على مشاهدة المسلسل داخل قبو أنيق معزول في شركة إنتاج مشبوهة “يملكها” المخرج، بعيدًا عن صوت القذائف والطائرات التي تحلق في سماء المدينة وتقصف أحياءها. وتبدأ المقارنة والصدام بين الذاكرتين اللتين يستند إليهما العملان: الذاكرة المكتوبة “الرواية” التي لا يقرؤها إلا عدد قليل من الناس، والذاكرة المرئية “التلفزيون” التي يشاهدها أغلب الناس.

وسرعان ما يتبين للكاتب أنه أمام قصة أخرى تعتمد على ما دوّنه جدّ المخرج “يحيى الشامخ”، الملقب بالمير، من مذكرات صفراء زائفة، تسرد حياة أسرته وبطولاتها، مبتعدًا عن حياة الناس البسطاء وما عانوه من الاستبداد والظلم الذي مارسه آل الشامخ بحق الفلاحين، وتحالفهم المشين مع المستعمر الفرنسي أيام الاحتلال، ومع الاستبداد الحديث الذي مارسه حكم العسكر بعد الاستقلال، فيتحول المطخ، من بركة ماء كانت شريان الحياة الأساسي للفلاحين، إلى مستنقع آسن للذاكرة، تم ردمها وتحويلها إلى ساحة تأبين في القرية.

ويسرد المسلسل تاريخ آل الشامخ منذ العهد العثماني والثورة العربية، مرورًا بعهد الانتداب الفرنسي والثورة السورية ضد المستعمر، وصولًا إلى الاستقلال وحكم البعث والعسكر. لكن هذا التاريخ كان كاذبًا ومغشوشًا لدرجة جعلت الكاتب ينهض قبل نهاية الحلقة الأخيرة من المسلسل، ويغادر الشركة من دون إذن عائدًا إلى بيته، كي يكتب روايته الجديدة، غير عابئ بالقذائف والطائرات التي تلقي الحمم على بعض أحياء دمشق وأهلها، لكنه ما أن يصل إلى بيته في الشيخ محي الدين، ويضع المفتاح في القفل، حتى تنقض عليه مجموعة من رجال الأمن المسلحين، وتلقي القبض عليه.

والسؤال: هل يمكن أن تكون الذاكرة منصفة؟ وما الفائدة من ذكرها وتكرارها، إن لم ترتقِ إلى مستوى المعاناة الإنسانية النابعة من التجربة الشخصية، والهموم الحقيقية؟ إن أفضل الذكريات وأصدقها، هي تلك التي نعيشها بأنفسنا. والذاكرة المزورة، في أفضل الحالات، تُعد ذاكرة انتقائية! وهي تُكرّس -عادة- لتغليف الكذب بالصدق، وتزييف الحقائق بالأساطير والخرافات المدهشة.