مؤلف وكتاب

الشاعر ناظم حمادي في ديوان “ضد” أنا قادم

راشد عيسى

 

لا يمكن لعين الرثاء أن تغيب لحظة واحدة في ما يواجه المرء كلمات الشاعر السوري ناظم حمادي (المختطف مع رفاقه منذ سنوات في دوما) في ديوانه الأخير “ضد” الصادر حديثًا عن “دار ميسلون” في تركيا، ما يجعل للقراءة طعمًا ومعنى آخرين، لم يكونا في الحسبان.

قد تتكفّل واحدة من القراءات المحتملة بالبحث عن نبرة الوداع في قصائد الشاعر الأخيرة، هذه التي كانت قد أعدّت للنشر من قبل ورُتبت على يديه. لعل هذا كان دائمًا دأب النقاد الباحثين عن استشراف الشاعر لغيابه، خصوصًا إن كان غيابًا مبكرًا، كيف رأى الشاعر مستقبله وتنبأ بالرحيل، أو لعله قرر الغياب بطريقة أو بأخرى.

وبالفعل، فإن ديوان “ضد” لا يخيب تلك القراءة في الغالب، إذ يمكن عدّه وداعيًا بامتياز، فقط لأنه يفرد عددًا من قصائده كإهداءات لأصدقائه الأقرب، أو لأولئك الذين لهم منزلة عالية في حياته، فلحسام السعد سيهدي قصيدة “النهار السابع”، ولفارس مراد، المعتقل الفلسطيني لتسعة وعشرين عامًا في سجون النظام السوري، قصيدة بعنوان “دفاتر الأمير”، ولرزان زيتونة، رفيقته في محنة الغياب، وحلم الحرية، قصيدة “قطعة سما”، ولسعاد الطيب “يشرق صباحي بك”، ولخليل الحاج صالح “كرنفال”.

ومن ناحية يصلح ديوان حمادي، بدءًا من عنوانه “ضد”، أن يكون احتجاجًا صارخًا ضد العالم، لكنه ليس احتجاجًا فرديًا تمامًا، فهو يبدو صوت الرفاق المنتمين إلى الطينة ذاتها، الفقراء، الحالمين بالعدل، بوردة على رصيف دمشق، برغيف، أو حتى بعود ثقاب في ليل المدينة.

هو صراخ أولًا في أرجاء ما يسميها في قصيدة “النهار السابع” مملكة الصمت، ذلك التعبير الذي يذكّر أيضًا بمعتقل سوري كبير سابق هو رياض الترك، الذي سبق له أن بشّر: “سوريا لن تبقى مملكة الصمت”. حمادي لا يكفّ عن الاحتجاج على “أحذية ثقيلة، تدب في المدينة القديمة، مفزعة عتمة الليل، لتضيء حلم الجنرال”.

حمادي شاعر من ذلك الصنف الذي وهب نفسه للاحتجاج، هو المحامي الذي اختار التدرّب على أيدي محامين وحقوقيين ومعتقلين سابقين، كما لو أنه يتدرب على العذاب، على مقاومة العين للمخرز، مع أنه يعرف الثمن سلفًا:

“العين لا تقاوم المخرز؟

في كل الأحوال، أنا لا أحتاج سوى إلى واحدة

كي أنظر إلى الشمس”.

لقد حسم الشاعر أمره مبكرًا، جاهزًا لأفدح الخسارات في طريق الحرية.

احتجاجه ليس فقط ضد مملكة الصمت، بل ضد كل ما هو مكرس، كل يقين، لذلك يفرد قصيدة “هوامش” ضد الحقائق الراسخة كما ترد في الأمثال الشعبية. ويفرد قصيدة “خلاص” ليعدّ على أصابعه كم الأشياء التي يكرهها، قصيدة مخصصة لكراهية العالم، بدءًا من الطاغية، وخدمه، والفقر الذي “غمر بالوحل حتى الوردة” التي حملها إلى من يحب، وصولًا إلى الأب الذي أحبّ كل النساء عدا أمّه. ولأنه شاعر، شاعر وحسب لا يستطيع إلا أن يصل إلى خلاصة مضادة “وأكره أيضًا نفسي، التي اتسعت لكل هذه الكراهية”.

ربما لذلك كان على الشاعر أن يصل إلى قصيدته “ضد نفسي”، تلك التي يشتهي فيها، من أجل نفس معافاة ليس إلا، أن يتوقف عن التفكير في أي شيء، وأن يمنح قلبه لبائع متجول، ويعتق فمه من مهمة الابتسام، ثم الاستقالة مما يسميه الكذب والكتابة عما كان، وعما يجب أن يكون.

هل نستغرب بعد كل هذا أن يصل الشاعر في جملة الديوان الختامية، في قصيدته “غرفة إبليس” أن يقول “في القبر/ أنا/ هو”.

لكنها عبارة كارثية لا تليق بمن يعد نفسه بالشمس والحرية ووردة الليل. ما أجمل ذلك الأمل، المكرر في كل مقطع من قصيدته إلى رزان زيتونة، تلك القصيدة الدافئة واللذيذة:

“انحناء يد الأمس على كتف المستقبل

أملْ

الأحاديث الصغيرة

عن ألم خفيف في الذاكرة

وعن رغبة الانفلات.. في المساءات

كطير الحجلْ

أملْ”.

كقارئ صديق للشاعر أتعرّف إليه خصوصًا في قصيدته الأجمل “لون الليل”. أكاد أراه، في ضوء القصيدة، في ليل العشوائيات، ذلك الفتى الوسيم، مشعلًا عود الثقاب قرب وجهه، فاسحًا للون الخضرة أن يتدفق من عينيه، ومعلنًا بداية المشي الليلي فوق أرصفة المخيم: أمشي متعمدًا كي أراني.. أعوي ككلب البدو على الكوابيس.. وجوهكم تشعّ، وترفع عن كاهلي تيه المدينة. أصواتكم. آه، المنارة!”.

ثانيةً، ليس لعين الرثاء أن تغيب. أقرأ. أعيد كتابة الكلمات. أحصي كم من المرات وردت كلمات مثل “الحرية”، “الشمس”، “الوردة”، “سما”، “اللون”، “الحب”، “النهار”، “يشرق”، “صباح”، “وجوهكم”، “أمل”،.. وأستنتج: هذا الشاعر لا يودع، لا يؤسس لغياب. كان فقط يرسم الخطوة الأولى ليكمل. كان فقط ينادي على الصحب، يتدرب على الحرية في ليل المدينة، كي يركض في الشوارع مع شروق آذار 2011، لينادي مع المنادين من أجل الحرية.  هذا الشاعر حاضر وحيّ، كما ينبغي لشاعر. إنه فقط ينفض الوحل عن ورد الفقراء. لا بدّ أنه قادم.

 

باريس

27  شباط 2018

 

لشراء الكتاب