مؤلف وكتاب

المعارج والألواح، ديوان شعري للشاعر تركي عبد الغني

 

 

ننطلق أولًا من تعريفنا بديوان “المعارج والألواح” من خلال عنونة الشاعر ديوانه بهذا العنوان، فقد أراد أن يُحدث انزياحًا استباقيًّا حتى قبل الولوج في قراءة النصوص داخله.
فلماذا المعارج ولماذا الألواح، توصيفات لمحتويات الديوان من النصوص؟
هذا الديوان يحوي النصوص القصيرة والطويلة، وتبلغ ثمانية وعشرين نصًا، ترك الشاعر النصوص الافتتاحية بلا عناوين محددة، ولكنه أطلق عليها (المعارج).

المعارج والألواح جميعها نصوص عمودية الشكل، باستثناء واحد منها بني على وحدة التفعيلة الحرة هو اغتراب.
وإذا كان كل شيء يحتاج إلى طرق أو إلى نوافذ وأبواب للولوج فيه وإليه، فقد استعار الشاعر بالمعارج بدلًا من الطرق أو النوافذ؛ فالطريق تتيح التحرك أفقيًّا، أما المعارج، فتتيح التحرك عموديًا إلى أعلى، وهذا -ربما- ما أراده الشاعر مِن هذه التسمية.
إذن فالسر يكمن في فلسفة الشاعر نفسه تجاه موضوعاته، فموضوعاته هي الإنسان المُطلق، الأنا الأعلى.
فالمعارج هي المداخل المتجهة عموديًّا إلى أعلى، حيث الألواح التي تحتفظ بأسرار نواميسها الداخلية.
فالأعلى هو الإنسان نفسه، إنها الألواح.
والمعارج هي المداخل الموصلة إلى حيث تكمن الألواح التي تحتوي على جوهر الذات المنشودة، (الذات الأعلى).
إنها الفكرة العُليا، إنها الوجود.
ولكي نتعرف أكثر على حقيقة ذلك، لا بد أن نعرج على عناوين القصائد وموضوعاتها، فهي تشكيلة فلسفية صوفية خاصة بمحمولات سيكولوجية وجودية، والإنسان يُشَكِّل أولها كما يُشكّل آخرها كذلك.
فمن اللوح الأول(الشيء) إلى اللوح الأخير (هكذا تكلم المجنون) هي مكنونات (الأنا) بتفرعاتها وحمولاتها الكبيرة التي تتركز في ثلاثة محاور كبرى؛
الله فكرة
الكون وجودًا
الإنسان قيمة
وكما لكلٍّ فلسفته، فإن لكل شاعر أدواته للتوصيل الأنسب جماليًّا ومعرفيًا.
فاللغة في الديوان (من حيث هي دالّات) في ألفاظها (حالة ظاهرية) على تركيبات من التضادّات، لخلق حالة تعببرية جمالية، فهي كذلك -من حيث هي مدلولات- في معانيها التعبيرية (حالة داخلية) ليتماهى الظاهر مع الباطن في خلق حالة اندماجية واحدة تُظهر التضادات التفاعلية في النفس البشرية بوصفها حالة من الكمال والاكتمال في ضعفه وقوته وفي صوابه وخطئه في آن معًا.
فالإنسان لدى الشاعر (بحسب فلسفته الشعرية) هو الإنسان المطلق الذي يتجاوز بقيمته، كوجود مقدس، حدود الضبط والتقييد؛ فهو محور الكون ومركزية التمحور الذي تدور الأشياء في فلكه.
فهذا الجنوح ليس جنوحًا نرجسيًا تتضخم فيه الأنا الشاعرة وهي تعبر عن نفسها، ولكنها الأنا (الجمعية) قيمة تعبر عن الأنا وجودًا.
فهو “في رسل الظلام” يتمرد برفضه للإله الموروث (قصيدة وجودية) أو رفضه للمُتألِّه المُكَرّس (كقصيدة سياسية)
فبأي عين سنراها وبأي لسان سنقرؤها، مسألة مفتوحة على التأويل.
وفي “الصلصال المقدس” مثلًا يصور حالة تمرد وجودي ليزهق هذا الكائن الغيبي الذي أغرته الشيئية البشرية فشكلت عنده لغزًا يحتاج إلى المغامرة من أجل فك ترميزه وأسراره.
إنه يصر على مشروعه الشعري بحيث يصور الإنسان كائنًا عاليًا لا فوق إلا تحته.
فالشاعر قديمًا، كان يمتدح نفسه لأنه يملك فرسًا عظيمة أو ينحدر من قبيلة عظيمة، ولكنه هنا كينونة وجودية مُطلَقة بما هو، لا بما يملك.
فحين ابتدأ الشاعر بالشيء، أي اللوح الأول، تركنا في مجال مفتوح على التأويل. وترك لنا الباب مفتوحًا نتعرف من خلال “الأنا القارئة” إلى هذا الشيء وماهيته وإلى المُخاطِب والمُخاطَب.
وفي حالة “اليوسفية” سنتوقع هذه الصورة الرمزية لفلسفة القصيدة، التي رسخت فينا مفهوم التكامل البشري جسدًا وروحًا، عاطفة وغريزة، لخلق حالة تجلٍّ.
إنساني لا يكتمل إلا بتراكيبه الجسدية والروحية كافة، فهو صادر الجمال اليوسفي وأسقطه على المرأة رمزًا للجمال، لكنه لم يتوقف كيوسف عند نقطة محددة، بل استمر إلى النهاية، لأنه لا يمكن أن يكون ما هو عليه إلا بحالة خلق حالة توافق بين المقدس والمدنس.
فهذا الديوان هو انعكاس حقيقي لاعتقاد الشاعر تجاه الأشياء المحورية التي يتمحور فيها وتتمحور فيه، فجاءت قصائده راصدة لفلسفة ذاتية تجاه الأشياء.

 

لشراء الكتاب