أخبار الدار

إصدار العدد السابع من مجلة قلمون للدراسات والأبحاث ويتناول السينما السورية

تجدد (مجلة قلمون للأبحاث والدراسات) التي تصدر عن (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) الالتزام في العدد السابع من إصداراتها بأن تكون الشؤون السورية – على اختلافها وتنوعها – النقطة المحورية في نشاطها وتحليلاتها وندواتها التي قد تعقد قبيل إصدار العدد المستمدة مادته من أبحاث هذه الندوة، أو أن تكون الندوة متزامنة مع إصدار العدد أو تالية له. فقد كانت الندوة التي أقيمت في (برلين) في مطلع عام 2017 تكريمً لذكرى الفيلسوف السوري الراحل (صادق العظم) – الذي وافته المنية في برلين في نهاية عام 2016 – مثالً على الحالة الأولى. وقد شارك في هذه الندوة، على امتداد ثلاثة أيام، باحثون سوريون وعرب وألمان. ومن أمثلة الحالة الثانية الندوة التي أقيمت في مدينة إسطنبول التركية، بعنوان (جورج طرابيشي مفكرًا بيننا) على امتداد يومين في مطلع الشهر العاشر من عام 2018 . وكانت حصيلتها العلمية مادة العدد السادس من مجلة قلمون للأبحاث والدراسات.

و في مقابل ذلك، ليس من الصعب على المرء ملاحظة أن الفن وقضاياه ومشكلاته في سورية لم يتم الالتفات إليها حتى الآن، سواء تعلق الأمر بتاريخ الفنون ونشأتها وروادها، أم بقيمة الإبداع الفني، وبالعقبات والمشكلات التي واجهت الفن والفنانين من جراء هيمنة نظام الاستبداد، الذي عمل على احتلال العقول والنفوس والإرادات وحتى الإبداع ذاته. والحقيقة أن الفن قد كان دومًا من المشاغل المهيمنة على اهتمامات هيئة تحرير قلمون. غير أن تشعب المشكلات السورية وتنوعها، والعبء الثقيل الذي خلفه النظام، عبء التشرد والغرق واللجوء عبر المنافي، وعبء الخراب والدمار والنزوح الداخلي قد جعلنا نقدم أمرًا على أمر، من غير أن يكون ما أرجئ البحث فيه قد ألقي به إلى الإهمال والنسيان. ولا ينبغي أن ننسى أن تفرق الباحثين السوريين وتشتتهم في بقاع الأرض كلها كثيرًا ما صعب عملية التواصل معهم، وحال دون التمكن من تحديد أماكن إقامتهم. يضاف إلى ذلك أن الباحثين السوريين في المهاجر جميعهم قد عانوا فقد مكتباتهم وأرشيفهم ووثائقهم التي سلخوا أعمارًا مديدة وجهدًا شاقًا في بنائها وترتيبها وتنظيمها.

ومن دواعي سرور (هيئة تحرير قلمون) أن تخصص العددين السابع والثامن لفنين عريقين في الثقافة السورية. فيكون العدد السابع مخصصًا للسينما السورية ومشكلاتها، وتطور العمل فيها قبل الثورة وبعدها، بينما يكون العدد الثامن مكرسًا للرواية السورية راهنًا، أي بعد 2011 ، بعد ما جادت به قرائح الروائيين السوريين من أعمال روائية شهد لها كبار النقاد بسمو الإبداع في هذا الفن الجميل. ونعد مخلصين بأن تكون الفنون الأخرى موضع اهتمام مجلة قلمون من مثل الدراما التلفزيونية وفن العمارة وغيرهما، موضوعات لملفات قادمة بحسب ما تسمح به الأحوال، وخاصة القدرة على تجميع جهد عدد كاف من الباحثين السوريين لإنتاج ملف بأكمله عن هذا الفن أو ذاك. فأهمية الفن لا تخفى على أحد، وما من شعب إلا له فنونه وتعبيراته التي تميز إبداعه من إبداع الشعوب الأخرى. ومن المألوف في كل المجلات الشبيهة بمجلتنا أن تكون مقسمة إلى أبواب، يعنى كل منها بجانب من رسالة المجلة. ومجلتنا ليست بدعًا في ذلك. والقسم الأول من مجلتنا مخصص لما نسميه (بالمقالات غير المحكمة). ومن ذلك ننتقل إلى الملف الرئيس في العدد، ومن بعده إلى باب الدراسات، ويختتم العدد بعروض نقدية لمجموعة من أحدث الكتب الصادرة في المكتبة العربية.

وفي هذا العدد (السابع) الذي نحاول أن نستكشف فيه بعض ملامح السينما السورية – وهي الملف الرئيس في هذا العدد – من الضروري أن نبين أن السينما هي الفن السابع الذي ينظر إليه كثير من الفلاسفة والنقاد والفنانين بوصفه خلاصة كل ما سبقه من فنون، أو على أنه قمة لها. وإذا كانت لغة المسرح هي الكلمة والحركة والفكرة، فإن السينما قد شكلت، بصفة عامة، لنفسها لغة مبتكره ومستحدثة وغير مسبوقة. فالسينما وريثة الفنون التشكيلية كلها، وهي وريثة المسرح من حيث إن الجهد الذي يبذله المتفرج في صالات العرض يتمثل في التقاط الفكرة المجردة التي ينطوي عليها العرض عبر فصوله المتتالية، فإن السينما، من خلال الصورة، تحيل الفكرة المسرحية المجردة إلى عناصر عينية يتم فضها عبر الصور الفنية التي تكون البنية التشكيلية الجمالية للفيلم السينمائي. وإذا لم يكن في المستطاع الاستغناء عن اللغة في المسرح، إلا في حالات قليلة ومحدودة، فإن السينما، من خلال الصورة، بوسعها التعبير عن الفكرة من خلال وسيط جمالي عيني مكون من سلسلة من الصور يبدعها كل مخرج بأسلوبه الخاص، عبر الاستخدام العبقري للكاميرا، وفي هذه النقطة على وجه التحديد يتركز إبداع المخرج وتفرده في آن معًا. وإذا كانت السينما تنقسم – ولو على سبيل التبسيط – إلى سينما روائية وأخرى وثائقية، وتنقسم السينما الوثائقية لدى بعضهم إلى وثائقية خالصة أو نقية وإلى سينما تسجيلية – على الرغم من الصعوبات التي تكتنف التمييز بين ما هو تسجيلي وبين ما هو وثائقي – فإن السينما السورية لم تترك فرعًا من فروع السينما إلا خاض فيه بعض مخرجيها.

ومن المهم أن نبين أنه ليس لأحد أن ينسب لنفسه فضل إنشاء السينما السورية أو إطلاقها، ذلك لأن الجمهور السوري قد استمتع في مدينتي دمشق وحلب بأول عرض يمكن أن يطلق عليه مجازًا اسم عرض (شبه سينمائي) في عام 1908 ، بفضل سوريين لم يسجل لنا التاريخ أسماءهم كانوا على صلة بالبلدان الأوروبية، وجلبوا آلة عرض بدائية. أما أول فيلم سوري صامت، فقد أنتج في دمشق عام 1928 تحت عنوان (المتهم البريء). وتواصل اهتمام السوريين بالسينما عبر طموح المثقفين وطمع المستثمرين إلى أن صدر مرسوم حكومي بإنشاء المؤسسة العامة للسينما عام 1963 .

وقد احتوى الملف على مجموعة من الدراسات القيّمة التي نفخر بأن العدد الأكبر من كُتّابها ينتسب إلى جيل الشباب. ولكن الملف أيضًا يحتوي على عدد من الدراسات القيمة أيضًا التي كتبها جيل مخضرمين من الأساتذة الباحثين.